السبت، يونيو 02، 2012

حلزون الديون

نشر في صحيفة الاقتصادية بتاريخ الجمعة 1/6/2012

حلزون الديون Debt Spiral هو حالة تنطبق على الأفراد أو الشركات أو الدول. سوف يكون محور اهتمامنا في هذا المقال حول مفهوم حلزون الديون وكيف ينطبق على الدول. من المعلوم أن ديون الدول تتعدد من حيث النوع، فقد يكون دين الدولة مملوكا للجمهور في الدولة، سواء المستثمرين من القطاع الخاص أو العام وهو ما يعد دينا محليا، أو مملوكا من جانب المستثمرين الأجانب في الدين العام للدولة، وهو ما يطلق عليه الدين السيادي للدولة، هذا النوع الأخير من الديون هو دائما الأكثر ترشيحا لجلب حالة حلزون الديون للدولة، لأن المستثمرين الأجانب غالبا ما ترتفع حساسيتهم لأي تطورات معاكسة في المؤشرات الخاصة بخدمة الدين الخاص بالدولة، ومن ثم ينعكس ذلك بشكل سريع على المبيعات الذي تتم من سندات الدولة في السوق، الأمر الذي يضغط على أسعار السندات ومن ثم معدلات العائد عليها، وعندما تتغير معدلات العائد على سندات الدولة فإن معدلات الفائدة المطلوب أن تدفعها الدولة على إصداراتها من السندات الجديدة تتغير.
حلزون الديون هو الحالة التي تواجه فيها الدولة تزايدا مستمرا في مستويات ديونها بحيث تصبح هذه المستويات من الدين والفوائد عليها غير مستدامة إلى الحد الذي يؤدي في النهاية بالدولة إلى التوقف عن خدمة ديونها وإعلان إفلاسها، ومن  الواضح أن حلزون الديون يتفاقم بالنسبة للدولة عندما يترتب على الأوضاع المالية الصعبة التي تمر بها ضغوطا مستمرة على معدلات الفائدة التي تدفعها على ديونها نحو الارتفاع بحيث يصبح دينها غير مستدام.
ولكن كيف يتكون حلزون الديون؟ للإجابة على هذا السؤال لا بد من الإشارة إلى أن حلزون الديون يتكون من مجموعة من الحلقات المتصلة ببعضها البعض والتي تؤدي في النهاية إلى تزايد احتمالات التوقف عن السداد أو إعلان إفلاس الدولة. ففي الحلقة الأولى من الحلزون ترتفع مستويات الدين القائم على الدولة نتيجة مجموعة العوامل المسببة لتصاعد الدين والتي يمكن أن تكون بسبب ضعف المالية العامة للدولة نتيجة عدم كفاية الإيرادات الضريبية أو انخفاض كفاءة عملية تحصيلها او ارتفاع مستويات الإنفاق العام للدولة على نحو لا يتماشى مع قدرتها على جمع الضرائب .. الخ. ويترتب على استمرار هذه الأوضاع استمرار ارتفاع الدين كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي للدولة.
في الحلقة الثانية للحلزون ترتفع درجة القلق في الأسواق نتيجة تفاقم مستويات الدين القائم على الدولة، وهو ما يؤدي إلى اهتزاز ثقة المستثمرين في سندات الدولة نظرا لتراجع الثقة في قدرتها على خدمة ديونها الأمر الذي يدفعهم إلى طلب معدلات أعلى من العائد على سندات الدين الخاصة بالدولة لمواجهة ارتفاع مخاطر توقفها عن خدمة الديون، ويعني ذلك بالتالي ارتفاع معدلات الفائدة على إصداراتها الجديدة من السندات.
في الحلقة الثالثة ترتفع تكلفة خدمة الدين نتيجة لارتفاع مستويات الدين القائم على الدولة من ناحية وارتفاع معدلات الفائدة على السندات الجديدة من ناحية أخرى، ومن ثم تكون المحصلة النهائية لذلك هي ارتفاع مستويات الإنفاق العام للدولة على نحو أكبر ومن ثم ارتفاع العجز المالي إلى الناتج في الدولة.
في الحلقة الرابعة يترتب على ارتفاع تكلفة الاقتراض محاولة الدولة السيطرة على إنفاقها العام من خلال محاولة زيادة الضرائب أو رفع درجة كفاءة التحصيل لها، أو من خلال طلب المساعدة من المؤسسات الدولية مثل صندوق النقد الدولي، أو تلجأ الدولة إلى خيار التقشف حيث تقوم الدولة بتخفيض مستويات الإنفاق بهدف السيطرة على العجز المالي ومن ثم النمو في الدين العام للدولة، غير أن تلك السياسة يترتب عليها انخفاض معدلات النمو وقد تدخل الدولة في حالة كساد، وهو ما يؤدي إلى ارتفاع نسبة الدين إلى الناتج.
في الحلقة الخامسة ونتيجة لهذه التطورات يصبح من الصعب على الدولة أن تقوم بخدمة دينها القائم ويقل إقدام المستثمرين على شراء سندات الدولة وهو ما قد يؤدي إلى توقف الدولة عن خدمة ديونها، ومن ثم استمرار تلك الحلقات مرة أخرى بحيث ينتهي الأمر بالدولة إلى إعلان إفلاسها.
ولكن إذا كان الوضع كذلك فكيف يمكن أن تكسر الدولة حلزون الديون وتتجنب بالتالي النتيجة النهائية للحلزون وهي إعلان الإفلاس؟ لكسر حلقات الحلزون يفترض أن تتعامل مع عجزها المالي في محاولة لتخفيضه من خلال زيادة الضرائب، أو رفع كفاء عملية تحصيلها، وخفض الإنفاق الحكومي أو ما يعرف بسياسات التقشف، ولكن سياسات التقشف، كما أثبتت التجربة الأوروبية، ربما يكون لها آثار خطيرة على النمو وتؤدي بالدولة إلى الدخول في حالة كساد، لذلك فإن محاولات خفض العجز المالي للدولة لا بد وان يصاحبها سياسات مساندة تساعد على تحفيز الطلب الكلي، على سبيل المثال من خلال اللجوء إلى سياسات النقود الرخيصة إما باستخدام السياسات التقليدية مثل طباعة النقود أو زيادة عرض النقود من خلال السياسات غير التقليدية كالتيسير الكمي، كذلك يمكن للدولة العمل على خفض قيمة عملتها لرفع تنافسيتها وزيادة الطلب الخارجي على ناتجها. المهم أن سياسات كسر حلزون الدين لا بد وأن تضع في الاعتبار الآثار المحتملة على النمو. الخيار الآخر المتاح للدولة لكسر حلزون الدين هو طلب المساعدة المالية من المصادر الثنائية Bilateral مثل مؤسسات المعونة الثنائية، أو المؤسسات الدولية متعددة الأطراف Multilateral مثل صندوق النقد الدولي، غير أن مثل هذه المؤسسات غالبا ما تشترط ضرورة أن تقوم الدولة بتبني برامج للاستقرار المالي قد يؤثر بصورة سلبية على النمو.
الشكل رقم (1) يوضح دول العالم الأكثر عرضة لحلزون الديون حاليا، لاحظ أن جانبا كبيرا من هذه الدول هي الدول الأعضاء في منطقة اليورو، ولكن لماذا تكون الدول الأعضاء في اليورو هي الأكثر عرضة لحلزون الديون من بين دول العالم خلال الأزمة الحالية؟ الإجابة على هذا السؤال تتضح من طبيعة الاتحاد الذي تنتسب إليه هذه الدول، والتي تحرم هذه الدول من أن تتبنى سياسات نقدية مستقلة تمكنها من زيادة عرض النقود للامتصاص الجزئي لآثار التقشف على الطلب الكلي في الاقتصاد وذلك من خلال زيادة عرض النقود بأي صورة من الصور، كذلك فإنه بالطبع عندما تكون الدولة عضوا في اتحاد نقدي، فإن هذه الدولة تفقد سيطرتها على قيمة عملتها المحلية ولا تستطيع بالتالي إن تقوم برفع درجة تنافسيتها الدولية من خلال خفض قيمة العملة، حيث تصبح هذه السياسة خارج نطاق سيطرة الدولة. في ظل هذه القيود تنخفض قدرة هذه الدول على التحرك لمواجهة حلزون الدين، ومن ثم لا بد وان ترتفع معدلات العائد المطلوب على سنداتها وهو ما يعقد أوضاع الدين بالنسبة لها.

من أمثلة حلزون الدين في الحالة الأوروبية حالة اليونان، حيث ترتفع نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي، على الرغم من اتباع الدولة لسياسات تقشفية لفترة طويلة نسبية بعد أزمتها، وهو ما أدى إلى كساد طويل الأمد في اليونان ترتب عليه انخفاض القاعدة الضريبية للدولة وتزايد العجز المالي إلى الحد الذي بلغ بها حد الوقوع في الإفلاس لولا المساندة الأوروبية، كذلك تتعرض إيطاليا لاحتمال إصابتها بحلزون الديون لذلك اتخذت إجراءات صارمة لخفض الإنفاق واستعادة ثقة الأسواق في سنداتها، ومن هذه الدول التي تواجه احتمال الإصابة بحلزون الدين حاليا أيضا إسبانيا حيث تميل نسبة الدين إلى الناتج نحو الارتفاع وتميل معدلات العائد المطلوبة على سنداتها نحو الارتفاع كذلك، وهكذا نجد أن الدول المدينة الأعضاء في اليورو المعرضة لحلزون الدين تشترك في ذات الخصائص، وقد حاولت دول اليورو اتباع سياسات تقشفية أدت إلى تراجع معدلات النمو على النحو الذي تناولناه في مقالين هنا في الاقتصادية بعنوان منطقة اليورو بين الحاجة إلى النمو وضرورة التقشف.
السبب الرئيس في تصاعد القلق من احتمال دخول أوروبا حلزون الدين هو تصاعد معدلات العائد المطلوب على إصداراتها الجديدة من السندات والتي تصل حاليا إلى 15% في حالة اليونان و6% في حالة إسبانيا وإيطاليا، وهي بكل المقاييس تعد مستويات مرتفعة للعائد لأنها تزيد عن معدلات النمو الحقيقي الذي تحققه هذه الدول، ولا يمكن السيطرة على معدلات العائد إلا من خلال طمأنة الأسواق إلى أن الدول قادرة على خدمة ديونها بسهولة، وهو ما فشلت أوروبا في تحقيقه حتى اليوم. الخلاصة هي أن أوروبا تحتاج إلى أن تسيطر على معدلات العائد على سندات الدول المدينة والا ستواجه حلزونا للديون لا تستطيع السيطرة عليه، بالطبع إذا بلغ الحلزون منتهاه في أوروبا فإن ذلك سوف يعني، لا قدر الله، اندلاع أزمة مالية عالمية تتجاوز في آثارها أزمة ليمان براذرز بمئات المرات.

الأربعاء، مايو 30، 2012

الروبية الهندية في مهب الريح

نشر في صحيفة الاقتصادية بتاريخ الثلاثاء 29/5/2012

الهند هي أحد أهم الاقتصادات الواعدة في العالم اليوم، وتتزايد التوقعات بأن يلعب الاقتصاد الهندي دورا رائدا على المستوى الدولي، البعض منها يتوقع بأن تصبح الهند الاقتصاد الأول في العالم بحلول العام في 2050، ومن وقت لآخر تجري المؤسسات الاقتصادية والمالية في العالم مقارنة بين الأوضاع الاقتصادية في الهند (معبرا عنها بالفيل الهندي) مقارنة  بالصين (معبرا عنها بالتنين الصيني)، أيهما سوف تكون له الغلبة في المستقبل، باعتبار أن قيادة العالم من الناحية الاقتصادية كانت دائما بين هاتين الدولتين قبل صعود الغرب في العصر الحديث. هذا العام بدأت الشكوك تتزايد حول مدى صحة واعتمادية مثل هذه التوقعات للفيل الهندي مع استمرار تعرض العملة الهندية لضغوط الانخفاض المستمر في قيمتها، بحيث أصبحت الروبية الهندية تعد الآن اضعف العملات بين عملات الدول الناشئة في آسيا. فالعملات الآسيوية بشكل عام تتراجع خلال هذه السنة، لكن الأداء الهندي كان الأسوأ بين مجموعة الدول الناشئة في آسيا، بل إن بعض المصادر تصنف تطورات الروبية على أنها تمثل رابع أسوأ أداء للعملات على مستوى العالم هذا العام بعد الراند الجنوب إفريقي والليرة التركية والشلن الكيني.
ففي يناير 2011 كان معدل صرف الروبية إلى الدولار الأمريكي 45.5 روبية للدولار تقريبا، وقد استمر تراجع معدل صرف الروبية على نحو واضح إلى أدنى مستوياته يوم الأربعاء 23/5/2012 حيث بلغ معدل صرف الدولار 56.0052 روبية، وقد شهدت الأيام القليلة الماضية تراجعا محدودا لمعدل صرف الدولار بالنسبة للروبية، ففي اليوم الأحد 27/5/2012 بلغ معدل صرف الدولار 55.4 روبية، ويعني ذلك أن الروبية الهندية خلال العام ونصف الماضي تراجعت بنسبة 24% تقريبا، وهو بكل المقاييس من أعلى معدلات التراجع في العالم. 
التوقعات المستقبلية حول مسار الروبية الهندية أيضا متشائمة بسبب طبيعة التوقعات السائدة حاليا حول الأداء الاقتصادي للهند في المستقبل، ولهذا التشاؤم أسباب متعددة، أهمها العجز في ميزان المدفوعات الهندي، فمن الناحية النظرية تعد العملة الوطنية مرآة لميزان مدفوعات الدولة، وينقسم ميزان المدفوعات إلى ميزان العمليات الجارية وميزان العمليات الرأسمالية، ميزان العمليات الجارية يشمل الميزان التجاري والتي تسجل فيه قيمة صادرات وواردات الدولة من السلع، وميزان الخدمات، ويشمل صادرات وواردات الدولة من الخدمات مثل النقل والتأمين.. الخ، بالإضافة إلى صافي التحويلات للدولة. أما ميزان العمليات الرأسمالية فتسجل فيه تحركات رؤوس الأموال من والى الدولة، ويعد الميزان التجاري أهم هذه الحسابات في ميزان المدفوعات للدول الناشئة، حيث تلعب تنافسية هذه الدول دورا هاما في الانتشار الجغرافي لصادراتها من السلع، والتي تستند بصفة أساسية إلى انخفاض تكاليف الإنتاج مقارنة بمنافسيها من باقي دول العالم، وحيث أن استراتيجيات النمو في الدول الناشئة، مثل الهند، قائمة على التوجه أساسا نحو الخارج، فإن الميزان التجاري يلعب دورا هاما في نمو هذه الدول، ولذلك فإن قيمة عملات الدول الناشئة ترتبط أساسا بالتطورات في هذا الميزان.
الوضع بالنسبة للهند مختلف عن باقي الدول الناشئة حاليا، فعلى مدى الفترة من 2000 -2012 لم تحقق الهند أي فائض في ميزانها التجاري، وإنما على العكس استمرت تحقق عجزا متزايدا بشكل عام، بل إن الفجوة في ميزان مدفوعات الهند تتسع نتيجة لارتفاع وارداتها من السلع التجارية العالمية الرئيسة بصفة خاصة النفط والذهب على نحو مثير للقلق، حيث تميل قيمة واردات هاتين السلعتين إلى الارتفاع المتواصل، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة فاتورة واردات الهند واتساع عجزها التجاري مع العالم الخارجي، ومن الناحية النظرية يفترض أن انخفاض قيمة الروبية سوف يساعد النمو من جانب الصادرات، لكن الأثر الصافي لتخفيض قيمة العملة على التجارة الخارجية للهند كان محدودا بسبب تركيبة الواردات.
فالهند تستورد اكثر من 70% من احتياجاتها النفطية من الخارج، وهي تقع ضمن قائمة الدول الجوعى للنفط، ووفقا لآخر التقديرات فإن ورادات الهند من النفط والذهب تمثل حوالي 32% من واردات الهند، وعندما تعجز الصادرات عن مواكبة النمو في الواردات فإن عجز الميزان الجاري لا بد وان ينعكس على قيمة العملة، وهو ما يحدث حاليا في الهند. وفقا لآخر البيانات المتاحة فإن العجز الحالي في الحساب الجاري في الربع الثالث من 2012 يعد الأعلى منذ 17 عاما. مثل هذه التطورات تؤدي إلى زيادة الطلب على العملات الأجنبية، بصفة خاصة الدولار، في سوق الصرف الهندي بشكل يتجاوز بكثير الكميات المعرضة منها، وهو ما يخلق عجزا في السوق يؤدي إلى تزايد الضغوط على قيمة الروبية نحو التراجع.
أدى تراجع الروبية إلى فقدان الثقة بها، وهو ما ترتب عليه حدوث عمليات خروج لرؤوس الأموال من الهند، في الوقت الذي تراجعت فيه الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى الهند، وهو ما أدى إلى ضغوط إضافية على العملة، وفي اقتصاد ناشئ مثل الهند تلعب الاستثمارات الأجنبية دورا حاسما في النمو، لأن استراتيجية النمو القائمة على التصدير تعتمد أساسا على الشركات الأجنبية التي تقوم بالتصنيع ومن ثم التصدير من الهند للاستفادة من مزايا التصنيع هناك والتي تتمثل بصفة خاصة في رخص أجور القوة العاملة والمزايا الضريبية.
من ناحية أخرى فإن الضغوط على الروبية جعلت البنك المركزي الهندي Reserve Bank of India يضطر إلى التدخل في سوق النقد الأجنبي للدفاع عن الروبية ضد ضغوط الهبوط وهو ما أدى إلى تراجع الاحتياطيات النقدية للبنك المركزي، فوفقا لبيانات البنك المركزي الهندي فإن إجمالي الأصول الاحتياطية الدولارية قد تراجع من 281.6 مليار دولارا في أكتوبر  2011، إلى 257.9 مليار دولارا في 12 مايو 2012، أي بنسبة 9% تقريبا. في ظل هذه الضغوط تتزايد الوقعات حاليا باحتمال تعرض الهند لحركات خروج كبيرة لرؤوس الأموال إذا لم تتوقف الروبية عن التراجع ، خصوصا بعد أن قامت مؤسسة ستاندرد أند بور بتخفيض التصنيف الائتماني للهند الشهر الماضي إلى BBB-، مع نظرة مستقبلية سلبية نتيجة تراجع النمو والأوضاع السياسية التي تواجهها الهند.  
الهند تواجه أيضا مشكلة هيكلية في ماليتها العامة، فكنسبة من الناتج المحلي الإجمالي بلغ عجز الحكومة المركزية وحكومات الولايات الهندية حوالي 7% في المتوسط خلال الفترة من 2005 حتى 2011، حيث تتزايد الضغوط نحو تقديم المزيد من الدعم الذي تقدمه الحكومة للأسمدة وغاز الطهي والبترول والديزل، في الوقت الذي تتصاعد فيه الدعوات لتخفيض هذا الدعم إلى مستويات تستطيع الدولة تحملها. غير أنه في ظل وجود كتلة سكانية ضخمة مثل الكتلة الهندية بمستويات دخول منخفضة، فإن عملية السيطرة على العجز المالي تعد مشكلة حقيقية في الهند حاليا، سواء على مستوى الحكومة المركزية أو على مستوى الولايات. بالطبع يترتب على ارتفاع نسبة العجز المالي إلى الناتج المحلي تزايد الضغوط على قيمة الروبية.
الاقتصاد الهندي يواجه أيضا تراجعا في معدلات النمو وارتفاعا في معدلات التضخم في أعقاب الأزمة المالية العالمية، والبنك المركزي الهندي يواجه معضلة حاليا تتمثل في ضرورة تخفيض معدلات الفائدة لتشجيع الطلب الكلي ولدعم النمو، ولكن خفض معدلات الفائدة سوف يترتب عليه تدهور قيمة العملة بصورة أكبر، ومن ثم تغذية التضخم، وتشير البيانات المتاحة إلى أنه في عام 2011 بلغ معدل النمو في الهند 8.5%، هذا العام من المتوقع تراجع معدل النمو إلى حوالي 7%، وهو ما دعا الحكومة إلى محاولة البحث عن مزايا أخرى وقطاعات أخرى يتم فتحها للاستثمار الأجنبي المباشر مثل قطاع التجزئة لدفع معدلات النمو.
تراجع قيمة الروبية يضيف أيضا المزيد من الضغوط التضخمية وارتفاع الأسعار سواء الناجمة عن تفاعلات قوى العرض والطلب المحلي، او التضخم المستورد من الخارج، بصفة خاصة مع ارتفاع تكلفة الوقود المستورد، على الرغم من الدعم الكبير الذي تقدمه الدولة للوقود والأسمدة. ففي عام2009 بلغ معدل التضخم أقصى مستوياته عند نسبة 15%، انخفضت إلى حوالي 10% عام 2010، وفي العام 2011 استمر تراجع معدل التضخم نحو التراجع إلى 6.5%، غير أن أخر البيانات المتاحة في أبريل 2012 تشير إلى ارتفاع التضخم إلى مستويات أكبر مما هو متوقع إلى 7.5%. 
الدلائل تشير إلى تدخل البنك المركزي الهندي من وقت لآخر في سوق النقد الأجنبي، ويبدو أن البنك المركزي عازم على الحد من تراجع الروبية بصورة أكبر. فكما سبقت الإشارة شهدت الأيام القليلة الماضية ارتفاعا طفيفا في قيمة الليرة نتيجة عمليات التدخل، لكن من المؤكد أن هذه العمليات مكلفة وسوف يترتب عليها تراجعا واضحا في احتياطيات البنك المركزي من العملات الأجنبية الأمر الذي يهز الثقة في العملة. باختصار الروبية الهندية تقف الآن في مهب الريح حيث تعمل تشكيلة متسعة من العوامل في الضغط عليها نحو التراجع أهمها عجز الميزان التجاري وزيادة العجز المالي وتراجع معدلات النمو وانخفاض الاحتياطيات من العملات الأجنبية وارتفاع معدلات التضخم.

الجمعة، مايو 25، 2012

أسعد شعوب العالم

نشر في صحيفة الاقتصادية بتاريخ الجمعة 25/5/2012

ما هي السعادة، وهل يمكن قياسها؟ وكيف تقاس؟ ما الذي يجعل أناسا أكثر سعادة من غيرهم؟ أو ما الذي يحدد مستوى سعادة الشعوب؟ هل هي الدول التي لا يؤثر فيها الأصل الاجتماعي والوضع الاقتصادي على فرص التعليم أو الترقي في السلم الاجتماعي؟ أم هل السعادة مرتبطة بمدى توافر أصدقاء حقيقيين نعيش بينهم مثلا؟ هل السعادة في كثرة المال؟ وهل اذا كانت الدولة على رأس قائمة الدول ذات الدخل المرتفع سوف تكون أكثر سعادة مما لو كانت في قائمة الدول ذات الدخل المحدود؟
لقد حاولت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية  OECD الإجابة على هذه الأسئلة بصورة منهجية من خلال تطوير مؤشر لقياس درجة السعادة التي تتمتع بها الدول، أو هكذا يطلق عليه، وذلك في اطار مبادرة أطلقت عليها "مبادرة الحياة الأفضل"، والتي اصدر بمقتضاها تقريرين عن درجة رضاء الأفراد في دول المنظمة عن حياتهم، ويتم عرض مؤشر الحياة الأفضل في صورة مؤشر مركب للسعادة، ويتكون المؤشر المركب من عدة مؤشرات تستند إلى الحسابات القومية لهذه الدول، وإحصاءات الأمم المتحدة، ونتائج استطلاعات معهد جالوب الذي يجري من وقت لآخر استطلاعات للرأي العام بين الأشخاص الذين يعيشون في 140 دولة حول العالم. المؤشر أيضا يركز على الاختلافات بين النوع داخل الدول، أي بين فرص الإناث والفرص المتاحة للذكور، ويقارن الفروق بين ذوي الدخول المرتفعة وذوي الدخول المنخفضة (أعلى 20% من الحاصلين على الدخل في المجتمع وأدنى 20% من الحاصلين على الدخل في المجتمع)، واستنادا إلى درجة تقييم الحياة والتي تتراوح بين صفر إلى 10 يتم يتحدد مقدار الدرجة التي تحصل عليها الدولة ومن ثم يمكن ترتيب دول العينة وفقا لهذه الدرجات.
لقد كانت المحاولات الأولى تركز على مستوى الدخل على أنه أهم مقاييس الرفاه في العالم ومن ثم مستويات السعادة، وذلك بافتراض أن الدول الأعلى في مستويات الدخل الفردي هي الدول الأكثر سعادة في العالم، غير أنه سرعان ما تحول الفكر في هذا المجال إلى التأكيد على أن نصيب الفرد من الدخل ليس الأداة المناسبة في هذا المجال لأن الرفاه والسعادة تشمل أشياء كثيرة لا يمكن قياسها من خلال متوسط نصيب الفرد من الدخل فقط، على سبيل المثال مستوى تعليم قوة العمل ومستوى الصحة الذي يتمتع به الأفراد، أو حتى ربما الدرجة التي يتم بها استخدام الموارد الطبيعية القابلة للنضوب في عملية توليد الدخل. كذلك فإن هناك اتفاقا اليوم على أن السعادة في العالم الغربي لا ترتبط بمستوى الدخل بقدر ما ترتبط بصورة أكبر بطبيعة العلاقات الإنسانية.
بالطبع النمو الاقتصادي ليس شرطا أن يؤدي إلى تحسين مستوى السعادة من الناحية الحقيقية، فالسعادة الحقيقية ليست هي السعادة المادية وإنما السعادة الإنسانية، ولكن من المؤكد أنه لو كانت مستويات دخول الأفراد أو معدلات النمو في الدولة منخفضة فإن ذلك سوف يجعل الأفراد غير سعداء، ولذلك يتفق الكثير من الباحثين في المجال أن التركيز لا بد وان يكون على مستويات النمو الاقتصادي للدولة.
عوامل الاستقرار الاقتصادي مثل التوظف تعد واحد من عناصر الرضاء عن جودة الحياة التي يعيشها الإنسان، وكذلك الاستقرار الوظيفي الذي يحصل عليه الفرد في الدولة، فكلما انخفضت معدلات البطالة كلما ارتفع ترتيب الدولة في مؤشر السعادة والعكس، وكذلك المدة التي يقضيها العمال في حالة بطالة، فكلما طالت الفترة التي يقضيها العامل في حالة بطالة كلما ارتفعت درجة تعاسته والعكس، ويأتي بعد العوامل المسئولة عن الاستقرار الاقتصادي مستوى الرفاه المادي والاجتماعي كأهم محددات السعادة، فكلما ارتفعت مستويات الصحة كلما ارتفعت مستويات السعادة، والعكس، كذلك كلما اتسع نطاق الشبكات الاجتماعية للفرد حيث يوجد لدى الشخص قريب او صديق يمكنه الاعتماد عليه وقت الشدة فإن ذلك يرفع مستوى السعادة والعكس. كذلك يعتبر الوقت الذي يقضيه الأشخاص في المتعة والفراغ من العوامل التي تؤثر على الصحة العقلية للأشخاص ومن ثم تؤثر بصورة كبيرة على درجة سعادتهم، وهكذا تتحدد السعادة بعناصر كثيرة بعضها بالطبع لا يمكن قياسه. 
هذا العام صدرت النتائج النهائية لمؤشر الحياة الأفضل بواسطة منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لـ 34 دولة هي الدول الأعضاء في المنظمة مضافا إليها البرازيل وروسيا، يقوم المؤشر على أساس حساب 11 بعدا من أبعاد الحياة لا تقتصر فقط على مستويات الدخول التي يحصل عليها الأفراد وإنما أيضا للجوانب المرتبطة بتوافر المساكن لهم، وطبيعة البيئة التي تحيط بهم، والشبكات الاجتماعية المتاحة لهم، وفرص التوظف المتوافرة، والأمان الشخصي، ومستويات التعليم والصحة، ودرجة ممارسة الديمقراطية، ودرجة رضاء الأشخاص في الدولة بشكل عام عن حياتهم.
المنظمة أعلنت أن الجديد في مؤشر هذا العام أنه سيعمل بشكل تفاعلي ليمكن المقيمين في هذه الدول من التعرف على أوضاعهم بالنسبة للدول الأخرى، كما سيمكن المقيمين في هذه الدول من تقديم مقترحاتهم حول الأبعاد الأخرى التي يمكن إضافتها للمؤشر. كما أعلنت المنظمة أيضا أنها تنوي المنظمة إضافة مجموعة أخرى من دول العالم والتي ليست أعضاء في المنظمة إلى قائمة الـ 34 دولة تباعا. أثبت التقرير أن هناك ثلاثة قضايا أساسية يركز عليها الناس في جميع الدول بغض النظر عن مكان وجودهم وهي مستوى الصحة، ومستوى التعليم والرضا عن الحياة بشكل عام. ووفقا لنتائج التقرير الثاني فإن الازدهار الاقتصادي يعد واحدا من العناصر ذات الصلة القوية بالرضاء على طبيعة الحياة، يليه مستوى الدخل، وبهذه المعايير فشلت الولايات المتحدة أن تكون ضمن قائمة العشر دول الأولى الأكثر سعادة في العالم، بينما وقعت دول مثل إسرائيل والدول الاسكندنافية ضمن قائمة الدول العشر الأكثر سعادة في العالم.
يفترض أن نتائج المؤشر تقدم دليلا لصانعي السياسة في هذه الدول لاتخاذ ما يلزم من سياسات لرفع مستويات معيشة السكان فيها مقارنة بدول العالم الأخرى في العينة. المشكلة الأساسية أن مثل هذه المتطلبات للسعادة يصعب تحقيقها من خلال إجراءات السياسة، وان كانت التقارير المتخصصة تشير إلى أن إجراءات السياسة التي يمكن أن ترفع مستويات السعادة. من هذا الجانب تتمثل سياسات رفع السعادة في تلك السياسات التي تعمل على رفع مستوى التوظف ورفع مستوى جودة العمل الذي يؤديه الأفراد، والحرص على توفير مستويات عالية من الثقة والاحترام في المجتمع، والتي يمكن التأثير فيها من خلال السياسات التي تهدف إلى تحسين مستوى الصحة العقلية والجسدية ودعم الحياة الأسرية وتوفير تعليم جيد للجميع.
والآن ما هي أسعد عشر دول في العالم؟ الإجابة هي أنها بالترتيب وفقا للتقرير الدانمرك في المركز الأول، يليها النرويج في المركز الثاني، يليها النمسا في المركز الثالث، ثم هولند في المركز الرابع وسويسرا في المركز الخامس وأستراليا في المركز السادس وكندا في المركز السابع وفنلندا في المركز الثامن وإسرائيل في المركز التاسع والسويد في المركز العاشر. 
نأتي الآن إلى السؤال الحقيقي، هل فعلا هذه هي أسعد دول العالم؟  الإجابة هي أننا اذا قيمنا السعادة من المنظور المادي فإن هذه الدول بالتأكيد سوف تكون أسعد الدول على هذا الكوكب، ولكن إذا كان الوضع كذلك فلماذا ينتحر الناس بشدة في هذه الدول؟ إذن السعادة لا تقاس بالمادة أساسا، فكم من شعوب هي أكثر شعوب الدنيا رفاهة ومع ذلك يشعر الناس فيها بجدران العالم تضيق حولهم لتخنقهم مع كل ما هم فيه ترف مادي، بل إن أعلى معدلات الانتحار والتخلص من هذه السعادة تحدث أساسا في هذه الدول، واقل معدلات الانتحار تحدث أساسا في اقل الدول سعة من الناحية المادية، السعادة ربما تكون في راحة البال في الأمان النفسي والذاتي، او بالتأكيد السعادة هي في القرب من الله. 

الثلاثاء، مايو 22، 2012

هل تخرج اليونان من منطقة اليورو؟

نشر في صحيفة الاقتصادية بتاريخ الثلاثاء 22/5/2012

أصبح العالم يحبس أنفاسه اليوم في انتظار نتيجة الانتخابات الوطنية المعادة في اليونان، والتي من المقرر أن تتم في 17 يونيو القادم وما سوف تكشف عنه من نتائج. فقد فشل الرئيس اليوناني كارلوس بابولياس في إقناع الأحزاب السياسية التي فازت في الانتخابات أوائل هذا الشهر بتشكيل حكومة ائتلافية بين الأحزاب الرئيسة التي فازت في الانتخابات، مما دفع إلى إقرار إعادة الانتخابات مرة أخرى، وقد أصبح من الواضح أن الانتخابات اليونانية القادمة لن تكون انتخابات سياسية بالدرجة الأولى، وإنما ستعد بمثابة اقتراع مباشر حول خيار استمرار اليونان في اليورو من عدمه، وأنه إذا حدث وفاز الحزب الراديكالي المعروف باسم "سيريزا” في الانتخابات فربما يعمل على دفع اليونان للخروج من اليورو.

هذا الأسبوع أيضا قامت وكالة فيتش للتنصيف الائتماني بتخفيض تصنيف اليونان إلى مستويات متدنية من B- إلى ccc كرد فعل للأحداث الحالية وتزايد ردة الفعل السياسية والشعبية ضد خطط التقشف المفروضة على اليونان بمقتضى خطط الإنقاذ الموضوعة من جانب الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي، وأن هناك ميل متزايد من بعض القوى السياسية إلى رفض شروط اتفاق الإنقاذ الأخير مع صندوق النقد الدولي.

أدى تعقد أوضاع اليونان على هذا النحو السريع إلى دفع بعض المراقبين إلى الاعتقاد بأن اليونان سوف تضطر إلى ترك منطقة اليورو لا محالة، وأن المسألة هي مجرد وقت قبل أن يتم فصل اليونان عن منطقة اليورو وإنهاء عضوية لم تكن تستحقها هذه الدولة في الواقع، على سبيل المثال فقد ألمح رئيس البنك المركزي الأوروبي لأول مرة بأن اليونان ربما تخرج من اليورو، مع تأكيده في ذات الوقت بأن البنك المركزي الأوروبي يفضل استمرار اليونان في المنطقة.

ولكن السؤال الحرج هو هل فعلا يمكن أن تخرج اليونان من منطقة اليورو؟ إن الإجابة على هذا السؤال ليست سهلة كما يتصور البعض، لأن خروج اليونان من اليورو، على عكس ما يعتقد بعض المراقبين، سوف يكون بمثابة كارثة للمنطقة وأيضا للأسواق. فمنذ وقت طويل يعتقد الكثير من المراقبين أنه من الأفضل لليونان الخروج من اليورو حتى يتخلص الاتحاد النقدي من الصداع الذي يعاني منه حاليا والمتمثل في عضوية هذه الدولة له، غير أنه لم يحاول أحد من هؤلاء أن يحسب لنا التكلفة التي ستترتب على هذا القرار.

مع تصاعد الحديث عن احتمال خروج اليونان من اليورو بدأت عمليات تقدير الخسائر التي يمكن أن تترتب على الخروج، وأصبحنا نقرأ اليوم عن التكلفة الكبيرة التي ستترتب على ذلك، وأصبح من الواضح أن هناك شبه إجماع حاليا على أن خروج اليونان من منطقة اليورو سوف يكون مكلفا للغاية لمنطقة اليورو وللعالم، على عكس ما كان يشاع مسبقا من أنه من الأفضل لليونان والاتحاد النقدي الأوربي فصل اليونان، ذلك أن هذه المطالبات بخروج اليونان لم تكن قائمة على حسابات دقيقة لتكلفة الخروج، اليوم عندما لاحت في الأفق بوادر احتمالات الخروج بدأت التقديرات الحقيقية للتكلفة تظهر على السطح، بالطبع التكلفة الوحيدة التي يمكن تقديرها في صورة رقمية هي التكلفة الاقتصادية، وذلك استنادا الى الآثار المتوقعة على النظام المالي والنمو، غير أن التكلفة الاجتماعية والسياسية للخروج لم تخضع بعد للحساب الدقيق حتى يمكن تقدير إجمالي التكلفة المتوقعة للخروج.

بعض التقديرات الأولية لتكلفة الخروج، كما تشير صحيفة الجارديان هذا الأسبوع، تضع خسارة منطقة اليورو بحوالي 5% من الناتج المحلي الإجمالي، أو ما يعادل حوالي تريليون دولارا، بعض التقديرات الأخرى تقل عن هذا المبلغ نسبيا، بالطبع عندما نقارن بين تكلفة استبقاء اليونان داخل منطقة اليورو مع الخسارة الضخمة التي ستعود على المنطقة من خروج اليونان، فإنه من الواضح أن من الأفضل العمل على استبقاء اليونان وتحمل هذه التكلفة.

إن الوضع الحالي لليونان يذكرني بحالة إفلاس بنك ليمان براذرز في بداية الأزمة المالية العالمية 2008، وذلك عندما رفضت الحكومة الأمريكية مساعدة البنك بعدة مليارات من الدولارات وسمحت للبنك بالإفلاس، فكانت الخسارة الناجمة عن ذلك رهيبة، واضطرت الحكومة الأمريكية إلى تحمل تريليونات الدولارات لاستعادة مستويات النشاط الاقتصادي ومواجهة معدلات استثنائية للبطالة ليس فقط في أمريكا وإنما في كافة أنحاء العالم، وقد كان من الممكن توفير هذه التكاليف الضخمة، أو الجانب الأكبر منها، لو تم إنقاذ البنك بعدة مليارات من الدولارات، فهل يكرر الاتحاد الأوروبي نفس الخطأ ويسمحون لليونان بأن تخرج من الاتحاد النقدي؟

من ناحية أخرى فقد حذر الرئيس أوباما من أن أزمة اليونان يمكن أن تهدد التعافي الاقتصادي الهش للولايات المتحدة، بل إن بعض التقارير ذهبت أكثر من ذلك إلى الإشارة إلى أن الرئيس أوباما ذاته يخشى من أن تؤثر أزمة اليونان على فرص إعادة انتخابه نظرا للتعقيدات على المستوى الاقتصادي التي يمكن أن يمر بها الاقتصاد الأمريكي في هذه المرحلة الحرجة من الانتخابات الأمريكية إذا تعقدت أوضاع الاتحاد الأوربي. على المستوى الرسمي، الولايات المتحدة قلقة جدا حاليا من تطورات الأوضاع في اليونان، وقد عاد الحديث مجددا في اللجنة الفدرالية لعمليات السوق المفتوح عن احتمالات العودة مرة أخرى إلى التيسير الكمي واستمرار العمل بسياسة النقود الرخيصة وتثبيت معدلات الفائدة عند مستواها الصفري حتى 2014.

كذلك أعلنت كريستين لا جارد رئيسة صندوق النقد الدولي أن خروج اليونان من منطقة اليورو سوف يكون مكلفا للغاية، ليس فقط لليونان ولكن أيضا لصندوق النقد الدولي، الذي يعد حاليا خطط للتعامل مع تبعات خروج اليونان من منطقة اليورو. تكلفة الخروج من منطقة اليورو ليست إذن سهلة كما يتصور البعض، ذلك أن ترك منطقة اليورو سوف يهدد مستقبل العملة ذاتها، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى آثار ضخمة على النمو في المنطقة، وبالتأكيد في العالم أجمع.  

في مقابل حالة عدم التأكد الحالية التي تسود اليونان، بدأ البعض يستذكر أحداث إفلاس الأرجنتين وكيف أن البنوك أغلقت أبوابها في وجه الجمهور الذي اضطر البعض منه إلى النوم في الشوارع أمام أبواب البنوك انتظار للحظة التي ستفتح فيها البنوك أبوابها ليتمكنوا من سحب ما يحتاجون إليه من سيولة، كما حدثت حالات هروب كبيرة لرأس المال إلى الخارج. هذا الأسبوع لم ينتظر الجمهور في اليونان حتى بدء الأزمة للقيام بسحب ما يحتاجون إليه من سيولة، وإنما حدث تهافت على البنوك اليونانية للسحب من المودعات، حيث تجاوزت المسحوبات مليار دولار. مع عمليات السحب الكبيرة هذه في ظل نظام مصرفي رسملته ضعيفة أصلا، فإن البنوك اليونانية تواجه وضعا صعبا للغاية، ووفقا لرويترز توقف البنك المركزي الأوروبي عن مد بعض البنوك اليونانية بخطوط الائتمان اللازم بسبب أن هذه البنوك لم تقم بالاحتفاظ برأس المال المناسب، ولقد أصبح من المطلوب الآن إعادة رسملة هذه البنوك كشرط لإعادة مدها بالائتمان، وهي عملية صعبة في الظروف الحالية.

باختصار شديد ليس هناك خيار أمام اليونان أو منطقة اليورو سوى بقاء اليونان في المنطقة مع محاولة دفع الأمور نحو الأمام وتحمل التكاليف التي يمكن أن تترتب على ذلك، والتي هي وفقا لأي سيناريو ستكون أقل بكثير من الخسائر المتوقع أن تتحملها أوروبا في حال خروج اليونان والانهيار المحتمل لليورو، وعلى ذلك اذا اختار الشعب اليوناني في الانتخابات القادمة الاستمرار في اليورو فسوف يكون لزاما على أوروبا وصندوق النقد الدولي انتهاج أسلوب مخالف لروشتة التقشف وتقديم مقترحات اكثر مناسبة لدفع معدلات النمو في اليونان وزيادة قدرتها على تنفيذ التزاماتها نحو دائنيها.


الجمعة، مايو 18، 2012

ما الذي يرفع التصنيف الائتماني للمملكة؟

نشر في صحيفة الاقتصادية بتاريخ الجمعة 18/5/2012


استعرضنا في المقال السابق مفهوم التصنيف الائتماني والمؤسسات التي تقوم به وسلم التصنيفات التي تستخدمه، وأهمية هذه التصنيفات بالنسبة للأسواق. اليوم نتناول المحددات التي يفترض أن تحدد هذه التصنيفات الائتمانية لدول العالم مع الإشارة إلى أسباب ارتفاع التصنيف الائتماني للمملكة.
كما ذكرنا من قبل فإن التصنيف الائتماني للدول هو في جوهره تقييم لقدرة الحكومات على خدمة ديونها في إطار المدى الزمني لتواريخ الاستحقاق المحددة لهذه الديون، ومن ثم من المتوقع أن تكون مؤشرات الدين العام للدولة من أهم محددات التصنيف الائتماني للدولة، إن العامل الأهم في تحديد التصنيف الائتماني للدولة هو معل النمو للدولة، فإذا كان من المتوقع أن ينمو الاقتصاد بمعدل مرتفع، فإن ذلك سوف يؤدي إلى زيادة الإيرادات الضريبية للدولة ويخفض في ذات الوقت من الحاجة إلى الإنفاق الحكومي المرتفع، مما يجعل من السهل على الدولة تخفيض نسبة الدين إلى ناتجها المحلي، أما إذا كان معدل النمو منخفضا فإن نسبة الدين العام إلى الناتج سوف تميل إلى التزايد وتتعقد أوضاع الدين العام للدولة بالتبعية.
من العوامل التي تؤخذ في الاعتبار أيضا نسبة الدين العام القائم إلى الناتج المحلي للدولة، فإذا كانت نسبة الدين العام إلى الناتج مرتفعة، مثلما هو الحال بالنسبة للدول المدينة في منطقة اليورو، فقد لا تجدي محاولات الدولة السيطرة على نمو الدين من خلال برامجها التقشفية إذا كان معدل نمو الناتج منخفضا، ذلك أن النمو المنخفض للناتج يسبب ارتفاع نسبة الدين إلى الناتج. غير أن ارتفاع الدين القائم كنسبة من الناتج لا يعني، مرة أخرى، أن جميع الدول التي تعاني من ذلك سوف ترتفع مخاطرها الائتمانية، على سبيل المثال فإن نسبة الدين إلى الناتج في إيرلندا أقل بكثير من نسبة الدين إلى الناتج في ألمانيا، ومع ذلك فإن التصنيف الائتماني لألمانيا أفضل بكثير من التصنيف الائتماني لإيرلندا، كما أن ارتفاع نسبة الدين إلى الناتج المحلي لا يعني أن الدولة في طريقها للإفلاس، فعلى الرغم من أن الدين العام الياباني يصل إلى حوالي 240% من الناتج، ومع ذلك توضع اليابان ضمن قائمة دول العالم المرتفعة التصنيف.
كذلك من العوامل التي تحدد التصنيف الائتماني للدول هو نسبة الاقتراض السنوي للحكومة إلى ناتجها المحلي، فإذا كان معدل الاقتراض السنوي منخفضا نسبيا، على سبيل المثال 2% من الناتج المحلي، فإنه في أغلب الأحيان يتوقع أن يكون وضع الدين العام للدولة مستداما، أي يتوقع استمرار ارتفاع قدرة الدولة على خدمة ديونها، أما اذا ما كان معدل الاقتراض السنوي مرتفعا على سبيل المثال 15% من الناتج المحلي، فإن الدين يصبح غير مستدام بسبب الارتفاع المتوقع في تكلفة خدمة الدين على الحكومة، ومع ذلك فإن هناك بعض الحكومات التي تقترض بمعدلات تفوق هذه المستويات غير المستدامة ومع ذلك تستمر في الحصول على تصنيف ائتماني مرتفع.
العامل الرابع هو تاريخ استحقاق الدين، فبشكل عام كلما طالت مدة استحقاق ديون الدولة كلما قلت ضغوط الدين على الحكومة، بعكس الحال اذا ما كانت السندات التي تقوم الدولة بإصدارها تتمثل أساسا في سندات قصيرة الأجل، فإن ضغوط الدين قد تضطر الدولة إلى اللجوء إلى طرح سنداتها من وقت لآخر، وتجدر الإشارة إلى أنه أصبح هناك تركيزا أكبر اليوم على القروض قصيرة الأجل من جانب مؤسسات التصنيف الائتماني باعتبارها أحد المحددات الأساسية للمخاطر السيادية.
العامل الخامس هو مدفوعات خدمة الدين كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، فبشكل عام إذا كانت نسبة مدفوعات خدمة الدين محدودة بالنسبة إلى الناتج المحلي، فإن خدمة الدين العام تصبح تحت السيطرة، ولكن عندما يميل الدين العام للدولة نحو التزايد في الوقت الذي تتراكم فيه الضغوط السوقية نحو رفع معدلات الفائدة على الدين العام لهذه الدولة، فإن وضع الدولة يصبح خطرا، فحتى لو قامت الدولة بتبني برامج للتقشف فإنها سوف تضطر إلى تخصيص المزيد من الأموال لخدمة ديونها، وهو ما يرفع الحاجة نحو اقتراض المزيد من الديون، ومن ثم ترتفع مدفوعات الفائدة مجددا فترتفع الحاجة للاقتراض، وهكذا ستدور الدولة فيما يمكن أن نطلق عليه الحلقة الخبيثة للديون.
العامل السادس هو هيكل ملكية دين الدولة، فإذا كانت ديون الدولة مملوكة بواسطة المقيمين فيها من الجمهور والمؤسسات المالية المختلفة والبنك المركزي فإن مخاطر الدين تصبح منخفضة، أما إذا كان الدين مملوكا للأجانب فإن ارتفاع مخاطر الدولة قد يدفع الدائنين الأجانب إلى بيع سنداتهم في الخارج وهو ما يضع ضغوطا كبيرة على الأسعار السوقية لها، ومن ثم يرفع معدلات العائد على تلك السندات، على أن قدرة الدولة على اجتذاب المستثمرين الأجانب قد ترفع من تصنيفها الائتماني، على سبيل المثال فإن التصنيف الائتماني للولايات المتحدة مرتفع لأنها تستطيع أن تجذب قدرا كبيرا من المستثمرين الأجانب لشراء سنداتها وبمعدلات فائدة منخفضة، بينما لا تستطيع دولة مثل إيرلندا أن تجد من يقرضها إلا بمعدلات عائد كبيرة. 
العامل السابع هو معدل التضخم السائد في الدولة خصوصا بالنسبة للديون المصدرة بالعملة المحلية للدولة، حيث يؤدي التضخم إلى تخفيض القيمة الحقيقية لدين الحكومة بالنسبة للمستثمرين، مما يقلل من جاذبية السندات لدى المستثمرين، كما أن التضخم سوف يتطلب أن تكون معدلات الفائدة على سندات الدين للدولة مرتفعة.
هذه هي أهم العوامل التي تحكم تصنيف الدولة الائتماني، والآن ما الذي يجعل التصنيف الائتماني للمملكة مرتفعا مع نظرة مستقبلية مستقرة للاقتصاد السعودي، على النحو المذكور في المقال السابق؟ للإجابة على هذا السؤال فإن الجدول رقم (1) يوضح المؤشرات الأساسية التي ينشرها صندوق النقد الدولي والتي تقود إلى وضع المملكة ضمن مجموعة دول العالم ذات التصنيف الائتماني المرتفع، ومن الجدول يلاحظ الآتي:
·         أن المملكة تحقق معدلات نمو مرتفعة نسبيا في الناتج المحلي الحقيقي بالمقاييس العالمية، على الرغم من ظروف الأزمة الاقتصادية التي تمر بالعالم منذ 2008، وأن هذه المعدلات سوف تستمر عند مستويات معقولة جدا حتى عام 2017.
·         أن متوسط نصيب الفرد من الدخل يعد مرتفعا نسبيا ومن المتوقع أن يتزايد في المستقبل ليصل إلى حوالي 24000 دولارا في 2017.

·         أن المملكة توجه نسبا متزايدة من ناتجها المحلي نحو الاستثمار، ويتوقع أن تصل هذه النسبة في عام 2017 إلى حوالي 26%.
·         أن مستويات الدخل المرتفع الذي تحققه المملكة تؤدي إلى ارتفاع معدلات الادخار المحلي والذي يبلغ في المتوسط 43% خلال الفترة من 2005-2017.
·         على الرغم من الارتفاع النسبي لمعدلات التضخم في المملكة قبل الأزمة المالية العالمية، فإن معدلات التضخم الحالية والمتوقعة في المستقبل تعد معقولة وتدور حول نسبة 4% تقريبا سنويا في المتوسط.
·         أن المملكة تحقق إيرادات مرتفعة جدا لصادراتها النفطية، الأمر الذي يرفع من نسبة الإيرادات الحكومية إلى الناتج وكذلك يمكن الحكومة من الاستمرار في برامج للإنفاق الحكومي عند مستويات مرتفعة بالنسبة للناتج المحلي.
·         أن المملكة تحقق فوائض مرتفعة في ميزان مدفوعاتها بالنسبة إلى ناتجها المحلي، مع توقع استمرار تحقيق هذه الفوائض في المستقبل.
·         وأخيرا وهذا هو الأهم، أن نسبة الدين العام للمملكة إلى ناتجها المحلي تعتبر منخفضة جدا حاليا، ويتوقع مع استمرار ارتفاع إيرادات الدولة أن تتناقص هذه النسبة بحيث لا تتجاوز 3% فقط من الناتج في 2017، وهي من أقل المعدلات في العالم.   

الثلاثاء، مايو 15، 2012

التصنيف الائتماني السيادي للدول

نشر في صحيفة الاقتصادية بتاريخ الثلاثاء 15/5/2012
قبل عدة أيام نشرت صحيفة الاقتصادية خبرا عن التصنيف الائتماني السيادي للمملكة الذي أعلنت عنه مؤسسة ستاندارد أند بور للتصنيف الائتماني، والذي أشار إلى استمرار احتفاظ المملكة بتصنيفها الائتماني السيادي المرتفع (AA-) مع نظرة مستقبلية مستقرة للوضع الائتماني للحكومة السعودية. ماذا يعني هذا الكلام؟ وما هي أهمية مثل هذه التصنيفات التي تمنحها مؤسسات التصنيف الائتماني مثل ستاندرد أند بور للدول، وماذا اذا لم يتم تصنيف الدولة بصورة إيجابية؟ وما هي تبعات ذلك؟ وهل يجب بالفعل أن تهتم دول العالم بتصنيفاتها الائتمانية التي تمنحها تلك المؤسسات لها؟ وأخيرا ما هي محددات هذا التصنيف وكيف يتم وضعه للدول؟ أسئلة كثيرة سوف أحاول الإجابة عليها في مقالين عن الموضوع.

مؤسسات التصنيف الائتماني الدولية مثل ستاندرد أند بور وفيتش وموديز تحاول من خلال هذه التصنيفات الائتمانية السيادية أن تقيم قدرة الحكومات على خدمة ديونها في إطار المدى الزمني لتواريخ الاستحقاق المحددة لهذه الديون، أخذا في الاعتبار طبيعة الشروط المتفق عليها بين الحكومة وبين المقرضين لها عند عقد القرض، وباستخدام مجموعة من المؤشرات الكلية يتم تحويل هذا التقييم في صورة تصنيف محدد للدولة يعكس المخاطر السيادية بالنسبة لها، والذي هو في واقع الأمر تقييم لاحتمال توقف دولة ما عن خدمة دينها، وتجدر الإشارة إلى أن احتمال توقف الدولة عن خدمة ديونها لا ينصرف فقط لتوقفها عن سداد مدفوعات الفائدة على الدين أو أقساط الدين، وإنما يشمل أيضا احتمالات عملية تبادل هذا الدين أو إعادة الهيكلة الإجبارية له. من ناحية أخرى تنبغي الإشارة إلى أن التصنيف الائتماني السيادي ينصرف إلى قدرة ورغبة الحكومة المركزية للدولة على احترام التزاماتها نحو المقرضين من المصادر الخاصة (مستثمرين أو مؤسسات ائتمانية خاصة). معنى ذلك أن هذه التصنيفات لا تنصرف إلى الديون التي تعقدها الحكومة مع الحكومات الأخرى أو المؤسسات الدولية متعددة الأطراف مثل البنك الدولي أو صندوق النقد الدولي، وتنشأ المخاطر السيادية عندما تقوم حكومة ما برفض خدمة التزاماتها الخارجية أو أن ترفض الدولة التعاون على استيفاء مثل هذه التعهدات، سواء كانت الدولة قادرة على خدمة ديونها أو في الأحوال التي لا تكون الدولة فيها غير قادرة على خدمة هذه الديون بسبب مصاعب حقيقية تواجهها الدولة، أو في حالات المحاولة من جانب الدولة لفرض شروطها على عمليات إعادة هيكلة الديون أو جدولتها.

دائما ما يصحب التصنيف الائتماني للدولة ما يسمى بالنظرة المستقبلة Outlook للتصنيف الائتماني للدولة، والذي يعكس تقييم مؤسسة التصنيف حول وضع التصنيف الممنوح للدولة في المدى المتوسط (بين سنة إلى 3 سنوات)، والذي يأخذ بشكل عام احد صور ثلاث وهي إيجابي Positive، ويعكس تفاؤل المؤسسة باستمرار احتمالات تحسن أداء الحكومة الائتماني واحتمالات ارتفاع تصنيفها في المستقبل، وسلبي Negative ويعكس تشاؤم المؤسسة باستمرار احتمال تراجع أداء الحكومة وتراجع التصنيف الممنوح لها في المستقبل، ومستقر Stable، ويعكس ثقة المؤسسة باستمرار التصنيف الحالي للدولة كما هو عبر المدى المتوسط.

ترجع أهمية هذه التصنيفات في الاستخدام الواسع لهذه التصنيفات للمخاطر السيادية للدول من جانب المستثمرين على اختلاف أشكالهم، حيث يؤمن المستثمرون بأن هذه التصنيفات تمثل مؤشرات مناسبة لاحتمالات التوقف عن السداد من جانب حكومات الدول المدينة، ويفترض وفقا لهذا التقييم أن تتحدد علاوة المخاطر Risk Premium التي يطلبها المستثمرون على السندات التي تقوم الدولة بإصدارها، وتعطي علاوة المخاطر المطلوبة إشارات حول الحد الأدنى من العائد الذي يطلبه المستثمرون على الاستثمار في سندات الدولة والذي يجب أن يعكس في جانب كبير منه التصنيف المعطى للمخاطر السيادية للدولة.

وتحتفظ كل مؤسسة من مؤسسات التصنيف الائتماني بسلم التصنيف الخاص بها والذي يتشابه على نحو كبير بين هذه المؤسسات مع بعض الفروق الهامشية فيما بينها، ويوضح الجدول رقم (1) درجات التصنيف الائتماني لمؤسسات التصنيف الدولية ستاندرد أند بور وفيتش وموديز، ومن الواضح من الجدول أن هذه التصنيفات هي توليفات من الحروف A حتى D. فبالنسبة لستاندرد أند بور وفيتش أعلى تصنيف ائتماني هو AAA (احتمال التوقف عن خدمة الدين السيادي للدولة صفرا)، وأدنى تصنيف ائتماني هو D (احتمال التوقف عن خدمة الدين السيادي مرتفع جدا)، بينما يتمثل أعلى تصنيف ائتماني لمؤسسة فيتش في التصنيف Aaa وأقل تصنيف ائتماني هو C. وكلما قل تصنيف الدولة ائتمانيا كلما ارتفع احتمال توقف الدولة عن الوفاء بالتزاماتها نحو حملة سندات الدين الخاص بها، ووفقا للجدول فإن هناك مرتبتين للتصنيف، التصنيفات التي تضع الدولة في مرتبة الدول المؤهلة للاستثمار في دينها السيادي، وهي الترتيبات التي تبدأ من AAA  حتى BBB- بالنسبة لستاندرد أند بور وفيتش، ومن Aaa  حتى Baa3 بالنسبة لموديز. أما المجموعة الثانية من التصنيفات فهي تلك التي تضع الدين السيادي للدولة في مرتبة المضاربة عليه لا الاستثمار فيه، وهي التصنيفات التي تبدأ من BB+ حتى D لمؤسستي ستاندرد اند بور وفيتش، ومن Ba1 حتى C بالنسبة لموديز.




بجانب المخاطر السيادية للدول، هناك أيضا نوعان من المخاطر كثيرا ما يستخدمان بشكل متبادل ويؤثران بشكل ما على التصنيف الائتماني الذي تحصل عليها الدولة، وهي المخاطر السياسية Political Risk ومخاطر الدولة Country Risk، وتشمل تأثير الأحداث السياسية مثل الحرب، والمواجهات الداخلية والخارجية للدولة، وتأثير الهجمات الإرهابية، كما تشمل أيضا تأثيرات العوامل الاجتماعية مثل عدم الاستقرار المدني نتيجة للعوامل الأيديولوجية والمواجهات العقائدية، أو عدم العدالة في توزيع الدخل. ويتمثل تأثير المخاطر السياسية في أثرها المتوقع على احتمال أن تقوم الدولة المدينة بفرض قيود على الصرف الأجنبي أو قيودا على تحركات رؤوس الأموال أو أن تقوم الدولة بفرض ضرائب إضافية على المستثمرين، أو في أسوأ الأحوال أن تقوم بتجميد الأصول المملوكة للمستثمرين أو مصادرتها، ومثل هذه التصرفات يمكن أن تحمل آثارا كارثية على العوائد المتوقعة للاستثمارات، أما مخاطر الدولة فهي احتمالات التعرض لخسائر نتيجة تحقق مخاطر محددة تقع معظمها تحت سيطرة الحكومة والتي يحتمل أن تؤثر سلبا على مناخ الاستثمار في الدولة بالنسبة للشركات العاملة فيها. 

هناك اتفاق بين المراقبين على أن مؤسسات التصنيف العالمية فشلت في التنبؤ بالأزمات العالمية، كما استندوا أيضا في ذلك إلى عمليات التصنيف التي تمت بعد الأزمة والتي خفضت التصنيفات الائتمانية للعديد من الدول والمؤسسات الدولية، بل إن بعض عمليات تخفيض التصنيفات قد أسهمت في زيادة عمق الأزمة، ومن المؤكد أن اعتمادية عمليات التصنيف تعد شرطا في غاية الأهمية للثقة في مثل هذه التصنيفات، ومع ذلك فإن الكثير من هذه التصنيفات فاقد المصداقية في الكثير من المحافل، وأعتقد أن مؤسسات التصنيف الائتماني أمامها وقت طول وتجارب عملية لا بد وأن تجتازها بنجاح حتى يمكن الثقة في مصداقية التصنيفات التي تمنحها هذه المؤسسات بصورة سنوية لاقتصاديات العالم المختلفة. اليوم تراجع مؤسسات التصنيف الائتماني معايير تقييمها، واصبح البعض منها أكثر جرأة في انتهاك محرمات عمليات التصنيف على المستوى الدولي، مثل ستاندرد أند بور التي قامت بتخفيض التصنيف السيادي للولايات المتحدة لأول مرة في التاريخ في أعقاب عمليات رفع سقف الدين السيادي للولايات المتحدة التي جرت في العام الماضي.

والآن ما الذي يحدد درجة التصنيف التي تحصل عليها الدولة، مثل المملكة؟ هذا هو موضوع المقال القادم حول الموضوع بإذن الله تعالى.